الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

218

مناهل العرفان في علوم القرآن

فيه الحرمة فإن نفى الجناح عنه يصدق بوجوبه ، نحو « فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما » . 6 - وإنكار تحريمه في صورة استفهام ، نحو « قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ؟ » . 7 - والامتنان بالشئ ووصفه بأنه رزق حسن ، نحو « وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً » . وهكذا تجد القرآن يفتنّ في أداء المعنى الواحد بألفاظ وطرق متعددة ، بين إنشاء وإخبار ، وإظهار وإضمار ، وتكلم وغيبة وخطاب ومضى وحضور واستقبال ، واسمية وفعلية ، واستفهام وامتنان ، ووصف ، ووعد ووعيد إلى غير ذلك . ومن عجب أنه في تحويله الكلام من نمط إلى نمط . كثيرا ما تجده سريعا لا يجارى في سرعته . ثم هو على هذه السرعة الخارقة لا يمشى مكبا على وجهه ، مضطربا أو متعثرا ، بل هو محتفظ دائما بمكانته العليا من البلاغة ، « يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » . ولقد خلع هذا التصرف والافتنان ، لباسا فضفاضا من الجدّة والروعة على القرآن ، ومسحه بطابع من الحلاوة والطلاوة ، حتى لا يمل قارئه ، ولا يسأم سامعه ، مهما كثرت القراءة والسماع . بل ينتقل كل منهما من لون إلى لون ؛ كما ينتقل الطائر في روضة غناء من فنن إلى فنن ؛ ومن زهر إلى زهر . واعلم أن تصريف القول في القرآن على هذا النحو ؛ كان فنا من فنون إعجازه الأسلوبى كما ترى ، وكان في الوقت نفسه منة يمنها اللّه على الناس ؛ ليستفيدوا عن طريقها كثرة النظر في القرآن والإقبال عليه قراءة وسماعا ؛ وتدبرا وعملا ، وأنه لا عذر معها لمن أهمل هذه النعمة وسفه نفسه . اقرأ إن شئت قوله سبحانه : في سورة الإسراء . وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ؛ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً